2016/06/22

16

كل ما أعرفه وخبير به هو اللف في الشوارع، ليس لي صديق مستقر أو أنا نفسي لست صديقا مستقرا، لست ممتلئا بالطاقة ولكن من جهة الأصدقاء فأنا في حركة دائمة، كنت أفتش في المقاهي وفي لستة التليفون على شخص متواجد على أي مقهى، كثيرا ما لا ينطبق توقيتي على توقيتاتهم، من جهتي اليوم والساعة لأصبح في النهاية شخصا وحيدا. لم أكن أريد أن اكون وحيدا اليوم، كان يوما تافها مملا، لم أنجز فيه تقريبا، ولكن ذهني كان مشغولا بكلمة أو لفتة، لم تكن كلمة، بارك لي على العمل في الجريدة الجديدة ولكنه التفت إلى الجزء الصغير الذي أكتبه في مقابل صفحة الجرنال القديم، دويندل، هذه هي الكلمة التي أصبحت ترن في ذهني، وتتكرر، وتتمدد، أقولها منغمة أحيانا وسريعة أحيانا، وعندما تركته ومشيت كنت أقولها أحيانا بصوت عال في الشارع، مما يثير اهتمام المارة الذين ليس لديهم شيء سوى المراقبة، مثلي تماما. الأيام الأخيرة كانت تحمل حقدا كبيرا على البشر، ربما قضائي أوقاتا طويلة بين صفحات إنجليزية وصفحة بيضاء خالية من المفترض أن أملأها بحرص لتناسب الأصل جعلني أكثر حقدا على البشر، كلما انعزلت أكثر كلما فقدت حساسية التعامل معهم، ونسيت الابتسامة الصفراء التي أحاول الاحتفاظ بها دوما، تلك الخدعة التي عرفها الجميع تقريبا.

حيرتي بين شلل الأصدقاء وشلل المهنة تجعلني بلا انتماء واضح، "انت قعدتك مع من" سؤال ليس له إجابة بالنسبة لي، تماما كسؤال "لم لم تعد تكتب"، الكثيرون الآن يعرفونني كمترجم نسى الجميع أنني أكتب، في الحقيقة فقد نسيت شخصيا أنني أكتب. أكتفي بتقديم كلمات الآخرين، يدخل الثور من ناحية ومن الناحية الأخرى يطلع سجق.

في النهاية تحول جلوسي مع بعض الأصدقاء في المقهى إلى أمر بضين. لم يعد من الممكن أن تتحدث مع أحد بدون الانغماس في صراع على منصة الزهو، في النهاية كنت كالعادة أعطي ظهري للمرآة وأترك لهم الفرصة كاملة حتى يتكلموا، إعطاء الظهر للمرآة أمر حتمي؛ أدخن ما يتجاوز علبة سجائر يوميا تلك التي تجعلني أضعف أكثر فأكثر وأقبح أكثر فأكثر، كم  ساعة مرت وأنا أحاول أن أشرح للقاريء الفارق الذي حدده لاكان بين اللذة والمتعة، كان ذلك يتطلب أن أفهمه بنفسي، المتعة فيها إفراط ولا مبالاة بكم الإيذاء العائد إليك، وهذا هو ما أحاول إقناع نفسي به، لست مستمتعا بقدر ما أنا مدمن، بغض النظر عن طبيعة الإدمان، في العموم فأنا شخص سهل الإدمان، سواء كان ذلك بالنبيذ أو الشعر أو الفضيلة. كان عليّ مع ذلك أن أجمع كل الكليشيهات المتاحة، مثلا عليّ أن أبلور أسباب واضحة لتركي الجرنال القديم والالتحاق بجديد، بالإضافة إلى توضيح أن غيابي عن التواجد لفترات طويلة كان سببه الانشغال وليس الاكتئاب، وعند الانتقال للحرية ليثبت أصدقائي أنهم صيع عليّ أن أشرب فقط زجاجتين بيرة حتى لا أضطر للكلام كثيرا، كان عليّ أن أبرر كل شيء، لا أعرف لم أصير دوما في موقف المدافع عن نفسه، وفي المقابل ما أتلقاه هو عبقرية رواد المقاهي التي أتلقاها دوما بسخرية داخلية، ربما عليّ أن أخرج قليلا من هذه السخرية للعامة، ربما ساعتها سأصير مهما وأحصل على الكثير من اللايكات في الفيسبوك مثلما أستحق، أنظر للأسفل فأكتشف أن الحذاء في حاجة إلى تلميع أو أنني أحتاج لحذاء جديد من الأصل، أو أن أدخر من أقرب فلوس قادمة، لقد مللت بالفعل من كوني أعمل من أجل المال، هل من المفترض أن أقول في جلسة مقهى أنني مهتم بالثقافة على أمل الحصول على فلوس أو "تو جيت ليد"، لا، لن أقول، فربما أكون كاذبا، عموما فأنا عرضة للغبار في الكرسي المواجه للشارع، سأعود وأنا ملبد وملزق وبحاجة للاستحمام ولكن سيظل هناك شيئا ليضايقني في الأمر، هذه الجلسة ستضايقني.

ينظر صديق الفيسبوك الذي يقابلني لأول مرة إلى وجهي ويسألني إن كنت مسيحيا، ها هو كليشيه آخر أحاول أن أستدعي ردودي التقليدية عليه، أشار لي أنه نظر إلى ساعدي ولم يجد صليبا، كان يبحث عن الصليب كالمسلم النمطي، رغم أنه ملحد ومثقف ومقطع البطاقة ولا يحترم من لا يحب رواية الحرافيش ناهيك عمن لم يقرأها، كيف يمكنني أن أرد عليه، لست مسيحيا، أقصد في البطاقة، سينتهي الأمر لأن أعتبر أنا البضين في القعدة، وكالعادة لن أدافع عن نفسي، ربما علمتني الصحافة أن أحفظ الكليشيهات وأرد بها، هم يحترمون صاحب الكليشيهات أكثر من الصموت.

شيئا فشيئا تعتاد على ذلك، ما الذي تحتاجه منهم، ها قد شغلك عن دويندل الصباح، فلتعد لتنام ساعات طويلة في البيت، سيحتاج ذلك فقط إلى رحلة طويلة إلى بولاق، تمر بها بكوبري وطرق غير ممهدة، وأصوات موسيقى شعبية وتيشيريتات وعباءات وجيل رخيص على الشعر وبضعة حواري ومشاهد تحرش وميكروباصات وسيارات ملاكي وأجرة وتكاتك وعجل وفزب منطلقة تحمل من واحدة لثلاثة افراد وروائح دخان منها حشيش متباعد، ولكن ما المختلف عن وسط البلد، لا يوجد فارق كبير، هي مدينة ضيقة جدا، ربما عليّ أن أعود لأختبيء في كنيسة، ليكون هناك مبررا حقا لتمييز وجهي، هناك شيء مفقود دوما، لا توجد هناك راحة بعد عمل طويل، عليك أن تتكيف، أن تحل مشاكلك المستمرة مع العالم. أنت تعرف أنك وحيد أيضا، وأنجح شيء تفعله هو أن تجلس أمام نوت بوك بين نص إنجليزي وصفحة بيضاء لتملأها لتناسب الأصل.



2013/12/31

2013

كالعادة لا أستطيع أن أضفي تقييما موضوعيا على العام، لأنني أفتقد القدرة الشخصية على التقييم، ولأنني لا أعرف المتوسط الإنساني لتقييم أحد لعامه. أنا لا أحتقر الطريقة الإحصائية، ولكن ربما أخشى منها، قد تكون دقيقة جدا وقد لا تكون صادقة.

بدأت العام الذي خططت له وأملت به – كالعادة – بأنني تركت عملي، أطول تجربة صحفية مررت بها، لا أستطيع أن أنكر أن نية ترك العمل كانت جزءا من تخطيطي، بدا القرار أمام الناس انفعاليا وربما بدا خاطئا أيضا ولكني كنت أشعر بالارتياح، تخلصت من مسبب أساسي للاكتئاب اليومي، العدو الحقيقي هو الاكتئاب وليس نقص النقود أو نقص العمل، تعلمت من السنوات الماضية أنه لا يوجد شيء يسمى "نقص عمل". هناك عمل دوما، لو ساعدك على وجود مقابل مادي سيكون أفضل، ولكن هناك عمل دوما ينتظرك كبديل عن النظر في الحائط والتحديق في الفراغ. في المقابل انتهيت من ترجمة كتابين وأعمل على واحد، أحد الكتابين نشر، وأجد من المناسب أن أعتبر ذلك حدثا، وأن أنظر برومانسية لوجود اسمي على غلاف لكتاب. تدهورت علاقتي بالمدونة لعدة شهور (من أسعد أوقاتي وضع post جديد فيها) وعدت وانتظمت مع نهاية العام، يختلط تعاملي مع المدونة بين كوني أعمل أشياء للفراغ، وبين الأمل في أن يؤثر شيء ما على شخص لا أعرفه، شخص يقرأ ولا يصلني منه أي رد فعل، شخص مجهول وربما يتقلص وجوده ليكون لا أحد، وأحيانا يكون هو الدافع الحقيقي لديّ للاستمرار. الترجمة المستمرة تقوم بدورها المعروف لي وهو تدمير الشخصية والهوية الذاتية، وهي حالة أريدها أحيانا وأكرهها أحيانا، أو أريدها وأكرهها في الوقت نفسه. عدت للقراءة هذا العام بشكل أكثر انتظاما من عامي الثورة الفارغين، وحاولت العودة للكتابة وإن كنت أفعل ذلك بيدين مرتعشتين كشخص مبتديء.

عشت وحدي معظم شهور العام، كان هذا قرارا مرضيا ومتأخرا، ولكن المساحة المكانية الأوسع لها متطلبات لم أكن أحسب لها، الفقر وتلاشي النقود ليسا الهم الأكبر بقدر ما هو أحلام اليقظة الطويلة والمستمرة التي تدور معظمها حول الإيذاء الذاتي، وربما يكون التدخين الهستيري تجليا واقعيا لهذه الرغبة.

ربما يتصف العام بانتهاء التجارب الأطول، انتهت علاقة كانت الأطول بالنسبة لي، لم يكن الأمر قراري لذلك مررت بألم شديد، خاصة أن ذلك ضيّع عليّ فرصة الاستمتاع بعدة ساعات من الرضا. أعلم أن الضيق لا يتعلق بالحب بقدر ما هو متعلق بفقدان مساحات التعلق والتعود. من آن لآخر أقضي وقتا أصارع فيه شرك مراجعة الأخطاء وتأنيب النفس، وهنا يكون تغيير طريقة تفكيرك هو الحل الأمثل، قد يسعفني قول ألبرتو كاييرو بوصفه للهواء المؤلم الذي يتغلغل بداخله لأول مرة بأنه: "الحرية (وهي) تدخل صدره".

لا أذكر أنني تأثرت بأي حدث سياسي بشكل كبير طوال العام، على نمط التأثر بأحداث 2011 و2012، حتى مع أحداث منتصف العام، وسواء كان هذا برودا أو عدم اتخاذ موقف أو أي شيء آخر، فأنا أعتبر هذا أمرا صحيا. يظل عقلي يردد أراء محقرة للعديد من الناس في هذا الوطن، وفي المقابل ينتابني من آن لآخر شعور بأنني ملفوظ من كل طبقاته.


بالطبع أعددت قائمة رغبات ومهام العام الجديد، وبالطبع لن أحقق حتى نصفها كالعادة، لا أعتقد أنني أطمح في أن أخرج من الدائرة الموجود فيها كثيرا، ولكن أملي أن أكتسب درجة رضا لو تحركت خطوة واحدة للأمام. ما زلت مرتبكا، وممتلئا بالحمق، وفقيرا جدا، لا أملك سوى يقين تام بالوحدة وفقدان حاد للثقة، وإن كنت أحاول اعتبار الصفتين وسيلتين للاستمرار أكثر منهما عقبتين.

2013/09/05

الحارس في غيط الشوفان – سالينجر – ترجمة بالعامية


الحارس في غيط الشوفان – ج. د. سالينجر – الفصل الأول

ترجمة: أمير زكي (ترجمة بالعامية)
سبتمبر 2013

إلى آية عزت؛ صاحبة الفكرة

***

1

 إن كنت عاوز تسمع عني فعلا، فغالبا أول حاجة هتعوز تسمعها هي أنا اتولدت فين، وطفولتي الهبلة كانت عاملة ازاي، وأهلي قبل ما يجيبوني كانوا بيشتغلوا ايه وكده، وكل الخرا ده اللي شبه قصة "ديفيد كوبرفيلد". بس لو عاوز الحق أنا مش حابب اتكلم في كده. أولا عشان الكلام ده بيخنقني، وثانيا أبويا وأمي هيجيلهم نزيف إن اتكلمت عن أي حاجة شخصية تخصهم. هما حساسين أوي للحاجات دي، خصوصا أبويا، هما كويسين وكل حاجة – مقدرش اتكلم في كده – بس برضو حساسين فشخ. بس أنا برضو مش هحكيلك دين أم قصة حياتي كلها ولا حاجة من دي. أنا هحكيلك بس عن الحاجات المجنونة اللي حصلت لي الكريسماس اللي فات قبل ما أتعب جامد وآجي هنا عشان آخف. أقصد الحاجات اللي كلمت "دي بي" عنها، أخويا وكده. هو في هوليود، هو مش بعيد أوي عن المكان الوسخ ده، وهو تقريبا بييجي ويزورني كل آخر أسبوع. هو اللي هيوصلني البيت لما هرجع البيت الشهر الجاي تقريبا. لسه جايب عربية جاجوار، من المَكَن الإنجليزي القليل اللي تعرف تمشيك ميتين ميل في الساعة، كلّفته ييجي آربعتلاف دولار، هو معاه فلوس كتير دلوقتي. كتب مجموعة قصص قصيرة جميلة اسمها "السمكة الدهبية السرية" لو ما كنتش سمعت عنه. أحسن قصة فيها هي "السمكة الدهبية السرية". هي عن ولد صغير مش عاوز يسمح لأي حد يشوف السمكة الدهبية بتاعته عشان هو اشتراها بفلوسه. قتلتني. "دي بي" راح دلوقتي هوليود، عشان يتشرمط. إن كانت فيه حاجة بكرهها فهي الأفلام، ما تجيبش سيرتها قدامي.
          .
عاوز أبدأ واحكيلك من اليوم اللي سبت فيه مدرسة بينسي. بينسي الثانوية هي المدرسة الموجودة في آجيرستاون في بنسلفانيا. ممكن تكون سمعت عنها، ممكن تكون شفت الإعلانات ولا حاجة. بيعلنوا عنها ييجي في ألف مجلة، دايما بيظهروا واد جامد كده راكب حصان وبينط فوق حاجز؛ وكأن كل اللي بتعمله في بينسي انك تلعب بولو طول الوقت. أنا مشفتش أبدا حصان في أي مكان قريب من هناك. وتحت الولد اللي راكب الحصان صورة دايما مكتوب عليها: "من سنة 1888 واحنا بنربي الولاد عشان يطلعوا شباب عندهم عقل كبير وسليم". أي هبل؛ هما ما بيعملوش في بينسي أبو أم أي حاجة في التربية مختلفة عن أي مدرسة تانية. وانا معرفتش هناك أي حد عنده عقل كبير وسليم ولا حاجة، يمكن ولدين، وكده يبقى كتير، ويمكن هما جم بينسي وهما كده.

على كُلٍ، كان يوم السبت اللي فيه ماتش الكورة[i] مع مدرسة ساكسون هول. المفروض ماتش ساكسون هول يبقى حاجة مهمة جدا في بينسي. كان آخر ماتش في السنة والمفروض إنك تنتحر أو كده لو مدرسة بينسي العريقة ما كسبتش. فاكر إن حوالي الساعة 3 بعد الضهر كنت واقف بعيد على تل تومسين، بالظبط جنب المدفع الفشيخ اللي كان في الحرب الثورية وكده. كنت تعرف تشوف الملعب كله من هناك، وكنت شايف الفرقتين وهما بيخبطوا ف بعض في المكان كله. ما كنتش تعرف تشوف أوي دكك الجمهور، بس كان ينفع تسمعهم وهما بيصرخوا، الصوت قوي وعالي من ناحية مشجعين بينسي، لأن الحقيقة المدرسة كلها ما عدا أنا كانت هناك، الصوت كان واطي وضعيف من ناحية مشجعين ساكسون هول، عشان الفريق الضيف كان قليل اوي ما يجيب ناس كتير معاه.

ما كانش بيبقى موجود بنات كتير في ماتشات الكورة. التلامذة الكبار بس هم اللي كان مسموح لهم يجيبوا بنات معاهم. المدرسة كانت بشعة مهما كنت بتقدّرها. أنا بحب ابقى ف مكان اعرف اشوف فيه على الأقل شوية بنات حواليه، حتى لو كانوا بيهرشوا في كتافهم ولا بيبربروا من مناخيرهم، أو حتى بيهبّلوا. سيلما ثورمر الكبيرة – بنت الناظر – كانت بتظهر كتير في الماتشات، بس هي ما كانتش من النوع اللي بيخليك تهيج اوي. بس كانت بنت حلوة ولطيفة. قعدت جنبها مرة في الأوتوبيس من آجرستاون وقعدنا ندردش نوعا ما. عجبتني. كانت مناخيرها كبيرة وضوافرها مقصفة ومِحمرّة، وكانت لابسة أبو أم الستيان ده اللي بيشاور في كل الاتجاهات، بس هي صعبت عليا. اللي عجبني فيها انها مش بتقعد تلتّ وتعجن عن أد ايه أبوها راجل عظيم. هي أكيد كانت عارفة أد إيه هو راجل غبي ومغرور.

سبب اني كنت واقف فوق على تل تومسين بدل ما اقف تحت واتفرج ع الماتش اني كنت لسه راجع من نيويورك مع فريق الشيش. أنا كنت كابتن فريق الشيش. حاجة كبيرة جدا. رحنا لنيويورك يومها عشان نلاعب مدرسة مكبيرني. بس احنا ما لعبناش. نسيت كل السيوف والأدوات والعدة في دين أم المترو. هي ما كانتش غلطتي خالص، كان لازم أقوم كل شوية عشان ابص على الخريطة عشان نعرف هنتحرك ازاي. عشان كده رجعنا بينسي حوالي الساعة اتنين ونص بدل ما نيجي وقت الغدا. الفريق كله كان واخد مني جنب في القطر. كانت حاجة دمها خفيف شوية.

 السبب التاني لأني ما كنتش تحت عشان اتفرج ع الماتش اني كنت رايح اودّع بينسي العجوز، مدرس التاريخ بتاعي. كان عنده أنفلونزا، اكتشفت اني غالبا مش هشوفه تاني لغاية ما تبدأ أجازة الكريسماس. كتب لي جواب بيقولي انه عاوز يشوفني قبل ما اروّح، كان عارف اني مش راجع لبينسي.

أنا نسيت أقولّك. هما طردوني. ما كانش مفروض ارجع بعد أجازة الكريسماس عشان سقطت في أربع مواد وما كنتش بجتهد وكده. قعدوا يحذروني عشان أبدأ اذاكر – خصوصا في نص السنة، لما أهلي عملوا اجتماع مع "ثورمر" العجوز – بس انا ما اجتهدتش. فاترفدت. بيرفدوا الناس كتير في بينسي. بينسي ليها مستوى أكاديمي عالي. هي كده فعلا.

على كُلٍ، إحنا كنا في ديسمبر وكده، والجو كان برد نيك، خصوصا فوق التل الغبي ده. ما كنتش لابس غير الجاكت ومش لابس جوانتي ولا حاجة. في الأسبوع اللي قبله، فيه حد سرق من أوضتي الجاكت بتاعي اللي من وبر الجمل، مع الجوانتي الفرو اللي كان في جيبه وكده. بينسي كانت مليانة حرامية. معظم الولاد جايين من عائلات غنية أوي، بس مع كده كانت مليانة حرامية. كل ما المدرسة تبقى أغلى كل ما الحرامية يزيدوا فيها – أنا مش بهزر. على كل، كنت واقف جنب المدفع الجامد، ببص ع الماتش والبرد فاشخني. بس انا ما كنتش متابع الماتش أوي، اللي كنت بعمله فعلا اني واقف في المكان، كنت بحاول احس اني بودّعه بشكل ما. أقصد اني سبت مدارس وأماكن وما كنتش بعرف اني بسيبهم. أنا بكره كده. بغض النظر عن انه يكون وداع حزين ولا وداع وحش، بس أنا أحب اعرف أني سايب المكان، لو ماعرفتش كده الأمور بتبقى أسوأ.

أنا كنت محظوظ. فجأة كده افتكرت حاجة ساعدتني أعرف اني خلاص خارج م الجحيم. فجأة افتكرت الوقت ده اللي كان في اكتوبر تقريبا، كنت انا و"روبرت تيكينر" و"بول كامبل" بنلعب بالكورة هناك، قدام المبنى الأكاديمي. كانوا ولاد لطاف خصوصًا "تيكينر". كنا قبل الغدا بالظبط والجو كان مغيّم جدا، بس احنا فضلنا نلعب بالكورة كده، والجو قعد يغيّم ويغيّم وتقريبا ما كنّاش عارفين نشوف الكورة، بس ما كنّاش عاوزين نبطّل اللي بنعمله. بس في الآخر كان لازم نبطّل. المدرّس بتاع الكيميا ده، أستاذ "زامبيسي"، لزق راسه في شباك المبنى الأكاديمي وقال لنا نرجع أُوَضنا عشان نِجهَز للغدا. إن صادف وافتكرت حاجات زي كده، هعرف أودع المكان لما احتاج كده، وف معظم الأحوال هعرف افتكر.

 في اللحظة اللي افتكرت فيها، اتدورت وبدأت أجري من الناحية التانية من التل واروح لـ"سبنسر" العجوز. هو ما كانش عايش في المدرسة، كان عايش في شارع آنتوني وين.

 جريت الطريق كله لحد البوابة الرئيسية، بعدها استنيت لحظة لحد ما آخد نَفَسي، لو عاوز الحق، أنا نَفَسي مقطوع، أنا بدخن كتير، أو كنت متعود على كده، خلوني أبطّل، وحاجة كمان، أنا زدت ست بوصات ونص السنة اللي فاتت، عشان كده أنا تقريبا جالي السل، وخرجت من هنا عشان اعمل فحوصات وكده. بس رغم كده أنا كويس جدا.

على كُلٍ، أول ما أخدت نَفَسي، جريت ناحية طريق 204، كان برد فشخ وكنت قربت أقع، ما كنتش عارف أنا بجري ليه، بس تقريبا حسيت إني عاوز اعمل كده، بعد ما عديت الطريق حسيت إني بختفي، كان النهار غريب أوي، برد جدا، وماكانش فيه شمس ولا حاجة، وكنت تحس انك بتختفي كل مرة بتعدي فيها الشارع.

رنيت جرس الباب بسرعة أول ما وصلت بيت سبينسر العجوز، كنت بردان جدا. وداني كانت بتوجعني وماكنتش عارف احرك صوابعي خالص.  قلت بصوت عالي تقريبا: "ياللي هنا، ياللي هنا، حد يفتح الباب". وأخير فتحته مدام سبنسر العجوزة. ما كانش عندهم خدامة ولا حاجة، وكانوا دايما بيفتحوا الباب بنفسهم. ما كانش معاهم فلوس كتير.

مدام سبينسر قالت: "هولدن! قد ايه مبسوطة اني شفتك! تعالى يا حبيبي! إنت بردان أوي؟" أفتكر انها كانت مبسوطة انها شافتني، كانت بتحبني، على الأقل كنت فاكر كده.

دخلت البيت بسرعة: وقلت: "إزيك يا مدام سبنسر، وإزاي أستاذ سبنسر؟"
قالت لي: "خليني آخد جاكتتك". ما سمعتنيش لما سألتها عن الأستاذ سبنسر. كانت طرشا حبة.

علّقت الجاكتة في الدولاب اللي في الصالة، وأنا بشكل ما سرحت شعري بإيدي. انا بحلق حلقة الجيش كل شوية ومش بحتاج اسرحه كتير.

قلت لها تاني: "إزيك يا مدام سبنسر" بس بصوت أعلى، وسمعتني. "أنا كويسة جدا يا هولدن" وقفلت ضرفة الدولاب. "إنت إزيك؟" الطريقة اللي سألتني بيها خلتني أعرف ان سبنسر العجوز قال لها إني اترفدت.

قلت لها "كويس، إزاي أستاذ سبنسر. خف من الأنفلونزا؟"

"خف منها يا هولدن، هو دلوقتي كويس زي الـ... مش عارفة... هو ف أوضته يا حبيبي، أدخل له".





[i] المقصود لعبة كرة القدم الأمريكية.

2013/08/24

"- أستاذ ديدالوس!
بيجري ورايا، يا رب ما يبقاش فيه جوابات تانية.
- لحظة واحدة.
رجع ستيفن للبوابة وقال: أيوه يا أستاذ.
وقف أستاذ ديسي، بيتنفس بصعوبة وبيبلع ريقه. وقال: أنا بس كنت عاوز أقولك إنهم بيقولوا إن أيرلندا ليها الشرف إنها البلد الوحيدة اللي ما اضطهدتش اليهود. تعرف ده؟ ما تعرفش. طب تعرف ليه؟
كان بيترعش جامد من الهوا الشديد.
سأله ستيفن وهو بيبتسم: ليه يا أستاذ؟
رد أستاذ ديسي بجد: عشان ما خلتهومش يدخلوها.
كريزة ضحك سحبت وراها من زوره كمية بلغم، بلعها بسرعة، كح وضحك ورفع له إيده يحييه.

رفع صوته تاني وسط ضحكه وهو بيدوس بجزمته الجلد على حصى الطريق: ما خلتهومش يدخلوها، هو ده السبب".

جيمس جويس
يوليسيس

2013/02/22


هناك شيء أكرهه في الثقة، عندما أشاهد الممثل الشهير نحيفا في فيلم الأبيض والأسود، وأشاهده وهو في ذروة نجاحه أعرف ببساطة إلى من أنحاز. يشكو العديد من الناس من كونهم محاطين بشخصيات غير طبيعية، بالمرضى والأنماط و"الكاراكترات"، أما أنا فأشكو من كوني محاطا بأناس مملوئين بالثقة، يعرفون بالضبط ما الذي يريدونه، ينجزون وعندما يتعثرون ينسبون عثراتهم ببساطة إلى العالم، ولا يتشككون في إمكانية قدرتهم على تجاوز العثرات. لم أظن أبدا أن كون الشخصية متماسكة هو الأمر الطبيعي في العالم، لذلك تعاملت مع نفسي دوما على هذا الأساس، ولكن للعالم قوانينه التي تخصه، والتي لا أستوعبها أبدا.

***

عندما رحلت في هذا اليوم كان الدافع الأساسي هو اختبار قدرتي على الرحيل، المبررات الأخرى، رغم وجودها، هي مبررات أحاول بعد ذلك بلورتها لأقدمها للوجوه التي أقابلها، هل من المنتظر إن يسألني أحدهم لم رحلت فأقول له ببساطة، لأنه عليّ أن أرحل من آن لآخر. الأمر كان أشبه باستطيقا التنازل التي تحدث عنها بيسوا، أو هجر ستيفن ديدالوس لما عليه أن يهجره، أنا لا أقرأ لكي أصير مثقفا، إنما لأتحول إلى خيال أدبي، وإلا ماذا سيكون الفارق بيني وبين المدعين الذين أحشر ظلما بينهم.

***

كما ترين أنا لا أستطيع أن أكمل هذه الحياة بدون الاستعانة باقتباسات.

2012/11/08

إلى غادة


العزيزة غادة
بعد التحية

الحقيقة أنني كنت مترددا وما زلت مترددا من فكرة كتابة رسالة لك، الأمر يخالطه عندي بعض من افتعال، إن الرسائل التي نقرأ عنها في الكتب بين الكتاب مثلا كان لها سحرها الخاص الذي لن نستطيع أن نستجلبه، كانت هناك مسافات تقطع وأظرف تمزق قبل أن نفتح رسالة تحمل رائحة المرسل وجزءا كبيرا من جهده وشخصيته، أما الآن.. نحن حتى ربما نقرر أن نبعث رسائل لبعضنا البعض في العلن لأن هناك شبهة ثقة في أن أحدا لن يفتحها لنا بعد مماتنا.. أعرف أن علي بعد ذلك أن أعتذر لك عن ترديد تساؤلاتي عن جدوى أي شيء نفعله، ولكن أعرف أنك ستتفهمين، فأنت تتمتعين بهذه الرحابة، تلك التي كنت تحدثيني أنك تخشين أنها قد تخيف بعض الناس، هي ليست مخيفة أبدا يا غادة، على الأقل بالنسبة لشخص مثلي، وجودك في العالم يتيح له بعض الاطمئنان رغم انقطاع الاتصال بيننا لفترات طويلة. ربما هذا التردد في الكتابة يحيلني لما قلته لك مرارا "أنت أشجع مني"، ولديك شيء يمكن أن تقوليه للناس جميعا، ببساطة يمكنك أن تقولي أو تكتبي ما تشعرين به، أنا لا أستطيع فعل ذلك، وأعترف دوما بذلك، أنا لا أصلح للحديث، لا أعرف كيف يمكنني أن أنقل حقا ما بذهني، لأنه لا يوجد في ذهني أصلا شيء متماسك، الأعمال التي انهمكت فيها في آخر عامين سواء صحافة أو ترجمة كانت مهمومة بإيصال كلمات الآخرين، هل ترين، أنا مصنوع من كلمات الآخرين، أنا حتى لا أستطيع أن أكمل هذه الرسالة بدون الاستعانة باقتباسات، لقد نسيت حقا أنه من المفترض أنه لديّ شيئا لأقوله للناس، أن هناك شيئا من المفترض أن أقوله لمجرد القول، السؤال المتكرر الذي تسألينه أنت أحيانا عن "أخبار الكتابة؟" ليس لي رد واضح عليه، كل الردود مركبة، أحيانا أقول إن هناك كتابا كبار قالوا حقا ما كنت أريد دوما أن أقوله، نعم أشعر بالانسحاق تجاه بعض الكتاب، رغم أنني أسخر كثيرا من دراويش الفنون والتواصل الاجتماعي الذين يبدون فاغري الأفواه طوال الوقت، ويسخرون لأن رفاقهم غير فاغري الأفواه بنفس طريقتهم، أنا منبهر أيضا ولكني أحاول دوما أن أبقي فمي مطبقا، بنفس الطريقة لا أحاول التعبير عن ارتباكي رغم أنه يشع من حولي بحيث يلاحظه أي شخص أعبر به، لا يوقفه عمل أو حب مفتعل أو إنجاز هزيل. من فترة قريبة شعرت أن القرار الأنسب هو أن أذهب حيث تذروني الريح، أنا أنزعج جدا من فكرة التفكير، يستطيع التفكير أن يعطلني لأيام عن الفعل، أو ربما أنني في حقيقتي لا أريد حقا الفعل، كل شيء أقوم به مصبوغ بافتعال واضح، ولا يظهر مني سوى سمات هذا الافتعال، ولكن الحياة تظل غير قادرة على إرضائي، بأن تتركني أنعزل وأقرأ فقط كتابا واحدا أو إثنين، وأستمع لفريق موسيقي واحد، ولكن ربما ساعتها أيضا لن أشعر أنني متطابق مع نفسي. عليّ أن أشكرك على كل حال لأنك أتحت لي الكتابة لك، وأتمنى أن تبقي بخير.



..تحياتي
أمير ز.

***

إلى أمير

2012/08/03


ما أن أدرك أن هذا وقت مناسب للاستماع، حتى لو كان على خلفية كتابة أو قراءة أو عمل حتى تتجه يدي لتشغيل الأعمال الكاملة لذي سيسترز أوف ميرسي بشكل عشوائي، أعمال الفريق قليلة، فلم يسجل قائدها الذي كان العامل الثابت في كل تغيرات الفريق سوى ثلاثة ألبومات، بالإضافة إلى تسجيلات الحفلات، لذا فالاستماع المتكرر إليهم يدخلك في دائرة مغلقة، فلن تعرف معهم شيئا جديدا، ولكن من المستحيل أن يختصر عالمي الموسيقي في فريق واحد، عليّ بالطبع أن أستمع إلى موسيقى جديدة، أو أعيد الاستماع للموسيقى التي أحببتها، وأتحرك ولو ببطء في شبيهاتها والتنويعات عليها، لذا يكون عليّ أن أتخذ القرار بأن أستمع اليوم لشيء آخر، يدي لا تطاوعني بأن أحذف "ذا سيسترز أوف ميرسي" تماما من مشغل الموسيقى، فأصل غالبا لحل وسط يجعلني أشغل الموسيقى الأخرى التي أود الاستماع لها مطعمة بداخل المشغل بأغاني لسيسترز أوف ميرسي، أو أضعها مع أعمال سيسترز في تشغيل عشوائي فأستمع للموسيقى الأخرى ولا أفقد تماما ميلي التلقائي لسيسترز. ولكن كثيرا ما أريد أن أتفرغ للعمل أو للكتابة، وأحتاج إلى جرعة أعلى من التركيز هنا تصبح الموسيقى المختلفة عن ذا سيسترز أوف ميرسي مجرد إزعاج ونشاز ومشتت للانتباه، فلا أجد أمامي سوى أن أتوجه لمشغل الموسيقى وأكتفي بالأعمال الكاملة لسيسترز، وغالبا ما يستمر اليوم على ذلك، بل الأيام، والأسابيع.

عندما ذهبت للكاتب الذي أحبه كان همي أن أخرج من نثار كلماته بنصائح موجهة إليّ، أو ربما لإيجاد تشابهات لا تشعرني بالوحدة، تكلمنا عن الاجترار، تكلمنا عن المخاطرة بالانتقال من قراءة أدباء نعرفهم إلى أدباء لا نعرفهم، أخبرته أن هذا يمثل اتهام يوجه لي: "أنت تعيش داخل دائرة لا تخرج منها". إن كنا نتحدث عن المتعة من التلقي فأنا استمتع بالتكرار، إن كنا نتحدث عن الهوس وأننا لا نملك مقاومة الشغف فأنا مهووس بالتكرار، إن كنا نتحدث عن نمو الشخصية فأنا لا أنمو إلا على ذلك، بالنسبة للمخاطرة بالتحرك بعيدا فهذا لا يعني بالنسبة لي سوى العمل والطنطنة، وإن كنت لا أخلو منهما.